الغارات الصليبية وخطر جديد على الاسلام
الغارات الصليبية وخطر جديد على الاسلام بينما كانت حركة العلم والدرس والتأليف قائمة على قدم وساق فى العواصم الاسلامية وفي العالم الاسلامي ، وكان عدد من كبار المشايخ والمربين منقطعين إلى تزكية النفوس وإصلاح القلوب ، كان العالم الاسلامي كله مهدداً بخطر كبير ، وقد أصبح وجود المسلمين حتى الاسلام نفسه معرضاً للفناء ، وكانت أوروبا النصرانية منذ قديم الزمان تنطوى على حقد دفين للاسلام ، وتضمر له ولأهله عداء توارثته كابراً عن كابر وجيلا بعد جيل ، فقد استولى المسلمون على مملكتها الشرقية التي كانت تحكمها الدولة البيزنطية ، وكانت جميع مقدساتها ومولد المسيح نفسه تحت حضانتهم وسيطرتهم ، وكان يكفى هذا الوضع لاستفزازأوروبا وإثارة دافعها لأخذ الثأر من المسلمين ، ولكن لم تكن لتتجاسر على الطموح إلى الشام وفلسطين أو أي بلد إسلامي ، لوجود دول إسلامية قوية وهجماتها المتواصلة على الدولة النصرانية المجاورة ، إلا أنها لما رأت سقوط الدولة السلجوقية وضعف الثغور الشمالية للملكة الاسلامية تشجعت وتطلعت ، وساعدها حظها ، فوجدت في هذا العصر خطيباً مصقعاً ، و واعظاً دينياً مثيراً ، في شخصية الراهب بطرس ، الذى ألهب مشاعر الناس في العالم النصراني بخطبه الرنانة المجلجلة ، وأحدث فيه موجة عارمة من الجنون الديني ، من أقصاه إلى أقصاه ، وتضافرت كذلك عوامل أخرى عديدة ، سياسية واقتصادية ، قد حببت
الغارات الصليبية إلى الناس
على كل حال ، فأول جيش للصليبيين توجه إلى الشام
سنة ٤٩٠ ه ، واستولى في ظرف عامين على مدن « الرها .فغسلوا شوارع المدينة المتلطخة بالدماء . وكانت نكسة بيت المقدس ، تؤذن بضعف المملكة الاسلامية وسقوطها ، ويقظة العالم النصراني ونهوض قوته الناشئة ، وكانت نذير خطر في العالم الاسلامي ، فقد تأسست أربع ولايات نصرانية في الشام وفلسطين ( القدس ، وأنطاكية ، وطرابلس ، والرها ) ، وكانت تشكل خطراً قائماً وسيفاً مسلولا على حرية مركز الاسلام ، وقد توسعت أطماع النصارى إلى أن هم . ريجى نالد ، والى كرك بالزحف على الحرمين الشريفين ، وتفوه بما يتضمن
الاعتداء على مدفن الرسول ، وأبدى نواياه الخبيثة . والحق أن هذه المرحلة كانت أدق وأحرج مرحلة في التاريخ الاسلامى بعد وقعة الردة ، فكان وجود الاسلام معرضاً للخطر ، وقد تحتم على العالم الاسلامي أن يخوض
معركة مصيرية حاسمة .
وفي أوائل القرن السادس الهجرى كان العالم الاسلاميقد وقع فريسة لاضطراب متزايد وفوضى عامة ، فكان خلفاء ملك شاه السلجوقي متحاربين فيما بينهم ، وأما الخلفاء العباسيون فقد نقلوا سيادتهم إلى الأتراك قبل زمن بعيد ، ولم يوجد في العالم الاسلامي سلطان عملاق أو قائد عبقرى يحمل من صلاحية القيادة وتدبير الأمر ، ما يجمع به البقية الباقية من طاقات العالم الاسلامى ، ويضمها تحت لواء واحد ، ويقاوم الخطر الذى يتعرض له من الشمال والغرب ،
وصدق و ستينلى لين بول ، إذ يقول :
كان هذا العصر عصر لبس واضطراب ، وقد عملكهم العجب لما يرونه من احتضار مثل الدولة السلجوقية المرهوبة الجانب ، المترامية الأطراف ، وظلت هذه المرحلة مرحلة الفوضى والاضطراب – إلى أن برزت طاقات جديدة و وجهت إلى جهة واحدة ، وبالجملة فكان هذا العصر
الانتقالى أطيب فرصة لأوروبا لشن الغارة على المملكة
الاسلامية وتثبيت انتصارها على وجه الدهر . .